المهاجر
03-18-2007, 12:17 PM
لو رآني أي شخص عندما تسلقت سور المقبرة في تلك الساعة من الليل
فسيقول :
أكيد مجنون..أو لديه مصيبة..
*** *** ***
كانت البداية عندما قرأت أن سفيان الثوري رحمه الله كان لديه قبراً في منزله يرقد فيه, وبعد أن يرقد ينادي الله : رب ارجعون.. رب ارجعون ,ثم يقوم منتفضاً ويقول :ها قد رجعت فماذا أنت فاعل ؟
*** *** ***
حدث أن فآتتني صلاة الفجر..وهي صلاة من كان يحافظ عليها ثم فاتته فسيحس بضيقة شديدة طول اليوم .
تكرر معي نفس الأمر في اليوم الثاني..فقلت لابد وأن في المر شيئاً .. ثم تكرر ذلك للمرة الثالثة على التوالي..هنا كان لابد أن أقف مع نفسي وقفة حازمة حتى لا تركن لمثل ذلك فتذهب بي إلى النار .
قررت أن ادخل إلى القبر حتى أؤدب نفسي..فلابد أن ترتعد وأن هذا هو منزلها ومسكنها إلى ما يشاء الله ..لكنني كل يوم أقول لنفسي دع هذا الأمر غداً.
وجلست أسوف في هذا الأمر حتى فآتتني صلاة الفجر مرة أخرى..حينها قلت :كفى..
وأقسمت أن يكون الأمر هذه الليلة..
*** *** ***
ذهبت بعد منتصف الليل حتى لا يراني احد..وقفت قليلاً ..أأدخل من الباب أم أتسور السور ؟!
اتجهت صوب الباب ,فلعل حارس المقبرة غير موجود سأوقظه وربما منعني , أو طلب مني المجيء في النهار , وحينها يضيع قسمي .. فقررت أن أتسور السور..
تلثمت ورفعت ثوبي واستعنت بالله وتسلقت..
برغم أنني دخلت هذه المقبرة مرات ومرات مشيعاً .. إلا أنني أحسست أنني أراها لأول مرة.. ورغم أنها كانت لليلة مقمرة.. ألا أنني أكاد أقسم أنني ما رأيت أشد منها سواداً..كانت تلف المكان ظلمة حالكة ..سكون رهيب.. هذا هو صمت القبور بحق..
تأملت كثيراً من أعلى السور ..واستنشقت هوائها ..نعم إنها رائحة القبور..أميزها عن ألف رائحة .. تحمل طعم الموت والبلى .. جلست أتفكر للحظات مرت كالسنين.. إيه أيتها القبور ..ما أشد صمتك ..
وما أشد ما تخفيه..ضحك ونعيم..وصراخ وعذاب أليم .. ماذا سيقول لي أهلك لو حدثهم ؟
لعلهم سيقولون لي مقولة الحبيب صلى الله عليه وسلم:( الصلاة وما ملكت أيمانكم )
قررت أن أهبط حتى لا يراني أحد في هذه الحالة .. فلو رآني أحد فسيقول إنني مجنون أو لدي مصيبة ..
وبالفعل لدي مصيبة كبيرة, وأي مصيبة أكبر من ضياع صلاة الفجر عدة مرات..
هبطت داخل المقبرة.. أحسست حينها برجفة في القلب .. التصقت بالجدار ولا أدري مما أحتمي ؟
عللت ذالك لنفسي بأنه خشية المرور فوق القبور وانتهاكها ..
أنا لست جباناً .. لكنني شعرت بالخوف حقاً !!
نظرت إلى الناحية الشرقية حيث القبور المفتوحة فارغة أفواهها تنتظر ساكنيها ..
إنها اشد بقع المقبرة سواداً.. كأنها تناديني .. مشتاقة إلى: متى ستكون في؟
أمشي محاذراً بين القبور .. وكلما تجاوزت قبراً تساءلت: أشقي أم سعيد ؟
شقي بسبب ماذا؟ أضيع صلاة مثلي ؟ أم كان من أهل الفواحش والربا ؟ ربما كان عاقاً لوالديه ..
أو كان من أهل العنا والطرب ؟
لعل من تجاوزت قبره الآن كان يضن أنه أشد أهل الأرض قوة.. وإن شبابه لن يفنى .. وإنه لن يموت
كمن مات قبله.. أو إنه كان يقول: مازال في العمر بقية.. ففاجأه هادم الذات ..
سبحان من قهر الخلق بالموت ..
أبصرت الممر .. حتى إذا وصلت إذا وصلت إليه ووضعت قدمي عليه أسرعت نبضات قلبي فالقبور عن يميني ويساري.. بدأت أول خطواتي ..بدأت وكأنها دهر ..أين سرعة قدمي وما أثقلها الآن..
رفعت بصري إلى الناحية الشرقية .. تمنيت أن تطول المسافة ولا تنتهي أبداً لأنني أعلم ما ينتظرني
هناك..أعلم ..فقد رأيت القبر كثيراً .. ولكن هذه المرة مختلفة تماماً ..
أفكار عجيبة.. أكاد أسمع همهمة خلف أذني .. نعم أسمع همهمة جليلة ..كأن شخص يتنفس خلف أذني
..خفت أن أنظر خلفي.. خفت أن أرى أشخاصاً يلوحون إلي من بعيد.. خيالات سوداء تعجب من القادم
في هذا الوقت ..
بالتأكيد إنها وسوسة من الشيطان.. لا يهمني شيء طالما أن قد صليت العشاء جماعة ..
كيف أتتني الجرأة! وكيف أوصلتني بخطواتي إلى حافة المقبرة ؟ بل كيف سأنزل في هذه الحفرة ألضيقه؟
وأي شيء ينتظرني داخلها ؟
فكرت بالاكتفاء بالوقوف وأن أكفر عن قسمي..
ولكن لا.. لن أصل إلى هنا ثم أقف.. يجب أن أكمل.. لن أنزل إلى القبر مباشرة.. بل سأجلس خارجاً
قليلاً حتى تأنس نفسي ..ما أشد ظلمته.. وما أشد ضيقه..
كيف لهذه الحفرة الصغيرة أن تكون حفرة من حفر النار أو روضة من رياض الجنة؟! سبحان الله..
يبدو أن الجو قد ازداد برودة.. أم هي قشعريرة في جسدي من هول هذا المنضر ؟
هل هذا هو صوت الريح ؟! ليس ريحاً.. لا أرى ذرة غبار في الهواء!! هل هي وسوسة أخرى ؟!
استعذت بالله من الشيطان الرجيم.. أنزلت شماغي ووضعته على الأرض ثم جلست وقد ضممت ركبتي
أمام صدري أتأمل المشهد العجيب ..
إنه المكان الذي لا مفر منه أبداً..
سبحان الله .. نسعى لكي نحصل على كل شيء ..وهذه النهاية لا شيء..
كم تنازعنا في الدنيا .. اغتبنا .. تركنا الصلاة .. آثرنا الغناء عن القران ..
والكارثة على أننا نعلم أن هذا مصيرنا.. وقد حذرنا الله منه ورغم ذلك نتجاهل...
أشحت بوجهي ناحية القبور و ناديت بصوت خافت _وكأني أخشى أن يرد احد علي _:
يا أهل القبور..مالكم أين أصواتكم ؟ أين أبناؤكم عنكم اليوم ؟ ..أين وأين ..
كيف هو الحساب؟.. أخبروني عن ضمة القبر..!
أخبرني عن منكر ونكير .. أخبروني عن حالكم مع الدود!
سبحان الله .. نستاء إذا قدم لنا أهلنا طعاماً بارداً أو لا يوافق شهتنا .. واليوم
..نحن الطعام..
*** *** ***
لابد من النزول إلى القبر ..قمت وتوكلت على الله, أنزلت رجلي اليمنى ثم الأخرى , افترشت شماغي
وانطرحت على ظهري ووضعت رأسي وأنا أفكر .. ماذا لو انهال علي التراب فجأة ؟!
ماذا لو ضم القبر علي مرة واحدة ؟!
أغلقت عيني حتى تهدأ ضربات قلبي ..حتى تخف هذه الرجفة في جسدي ..
ما أشده من موقف وأنا حي فكيف سيكون وأنا ميت ؟
فكرت أن انظر إلى اللحد.. هو بجانبي .. والله لا أعلم شيئاً أشد منه ظلمة..
يا للعجب !! رغم أني في حفرة مغلقة إلا أنني أشعر بتيار من الهواء البارد يتسلل إلي!!
كم هي قاسية برودة الخوف !
خفت أن أنظر إليه فأرى عينان تلمعان في الظلام وتنظران إلي بقسوة..
أو أن أرى وجها شاحباً ًلرجل تكسوه علامات الموت ناظراً إلى الأعلى متجاهلني تماماً
حينها قررت أن أنظر إلى اللحد .. ليس بي من الشجاعة أن أخاطر وأرى أياً من هذه المناظر رغم علمي أن اللحد خالٍ.. ولكن تكفي هذه المخاوف حتى أمتنع تماماً عن النظر إليه ..
*** *** ***
تذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحتضر:(لا الله إلا الله.. إن للموت لسكرات ) تخيلت جسدي عند نزول الموت يرتجف بقوة وأنا أرفع يدي محاولاً إرجاع روحي ..
تخيلت صراخ أهلي عالياً من حولي: أين الطبيب ؟! أين الطبيب ؟!
(فلولا إن كنتم غير مدينين ترجعونها إن كنتم صادقين )
تخيلت الأصحاب يحملونني ويقولون: لا الله إلا الله..تخيلتهم يمشون بي سريعاً إلى القبر ..
وتخيلت أحب أصدقائي إلي وهو يسارع لأن يكون أول من ينزل إلى القبر...
تخيلته يضع يديه تحت رأسي ويطالبهم بالرفق حتى لا أقع.. يصرخ فيهم جهزوا الطوب ..
وتخيلت أحمد..يجري ممسكاً إبريقاً من الماء يناولهم إياه بعدما حثوا علي التراب..
تخيلت الكل يرش الماء على قبري..
تخيلت شيحاً يصيح فيهم :ادعوا لأخيكم فإنه الآن يسأل .. إنه الآن يسأل ..
ثم رحلوا وتركوني فرداً وحيداً ..
تذمرت قول الله تعالى (ولقد جئتمونا فردى كما خلقناكم أول مرة , وتركتم ما خولناكم ورأى ظهوركم )
نعم صدق الله .. تركت زوجتي .. فارقت أبنائي ..تخليت عن مالي ..أو هو تخلى عني..
تخيلت ملائكة العذاب حين رأوا النعش قادماً..ظهروا بأصوات مفزعة..وأشكال مخيفة..
ينادي بعضهم بعضا: أهو العبد العاصي؟
فيقول الأخر :نعم
فقال : أمشيع متروك أم ليس له مفر؟
فيجيب الأخر: بل محمول إلينا ليس له مفر.
فينادى : هلموا إليه حتى يعلم أن الله عزيز ذو إنتقام.
رايتهم يمسكون بكتفي ويهزونني بعنف قائلين:ما غرك بربك الكريم؟
ما غرك بربك الكريم حتى تنام عن الفريضة
ما الذي خدعك حتى عصيت الواحد القهار؟
أهي الدنيا..أما كنت تعلم أنها دار فناء ؟وقد فنيت!
أهي الشهوات؟..أما تعلم أنها إلى زوال؟وقد زالت!
أم هو الشيطان ؟..أما علمت أنه لك عدو مبين؟
أمثلك يعصي الجبار..والرعد يسبح بحمده والملائكة من خيفته.
لا نجاة لك منا اليوم..أصرخ ليس لصراخك مجيب..
*** *** ***
جلست أصرخ :رب ارجعون..رب ارجعون..
وكأني بصوت يهز الفضاء ويزلزل المقبرة يملأني يأساً يقول(كلا إنها كلمت هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون )
بكيت ما شاء الله أن أبكي..
ثم قلت: الحمد لله رب العالمين..مازال هناك وقت للتوبة..
استغفر الله العظيم وأتوب إليه
قمت مكسوراً..وقد عرفت قدري..وبأن لي ضعفي..
أخذت شماغي وأزلت ما علق به من تراب القبر,وعدت وأنا أردد قول جبريل للحبيب صلى الله عليه وسلم
(عش ما شئت فإنك ميت ,وأحبب من شئت فإنك مفارقه ,واعمل ما شئت فأنك مجزي به)
النـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــها يه
أتمنى أن تنال إعجابكم
فسيقول :
أكيد مجنون..أو لديه مصيبة..
*** *** ***
كانت البداية عندما قرأت أن سفيان الثوري رحمه الله كان لديه قبراً في منزله يرقد فيه, وبعد أن يرقد ينادي الله : رب ارجعون.. رب ارجعون ,ثم يقوم منتفضاً ويقول :ها قد رجعت فماذا أنت فاعل ؟
*** *** ***
حدث أن فآتتني صلاة الفجر..وهي صلاة من كان يحافظ عليها ثم فاتته فسيحس بضيقة شديدة طول اليوم .
تكرر معي نفس الأمر في اليوم الثاني..فقلت لابد وأن في المر شيئاً .. ثم تكرر ذلك للمرة الثالثة على التوالي..هنا كان لابد أن أقف مع نفسي وقفة حازمة حتى لا تركن لمثل ذلك فتذهب بي إلى النار .
قررت أن ادخل إلى القبر حتى أؤدب نفسي..فلابد أن ترتعد وأن هذا هو منزلها ومسكنها إلى ما يشاء الله ..لكنني كل يوم أقول لنفسي دع هذا الأمر غداً.
وجلست أسوف في هذا الأمر حتى فآتتني صلاة الفجر مرة أخرى..حينها قلت :كفى..
وأقسمت أن يكون الأمر هذه الليلة..
*** *** ***
ذهبت بعد منتصف الليل حتى لا يراني احد..وقفت قليلاً ..أأدخل من الباب أم أتسور السور ؟!
اتجهت صوب الباب ,فلعل حارس المقبرة غير موجود سأوقظه وربما منعني , أو طلب مني المجيء في النهار , وحينها يضيع قسمي .. فقررت أن أتسور السور..
تلثمت ورفعت ثوبي واستعنت بالله وتسلقت..
برغم أنني دخلت هذه المقبرة مرات ومرات مشيعاً .. إلا أنني أحسست أنني أراها لأول مرة.. ورغم أنها كانت لليلة مقمرة.. ألا أنني أكاد أقسم أنني ما رأيت أشد منها سواداً..كانت تلف المكان ظلمة حالكة ..سكون رهيب.. هذا هو صمت القبور بحق..
تأملت كثيراً من أعلى السور ..واستنشقت هوائها ..نعم إنها رائحة القبور..أميزها عن ألف رائحة .. تحمل طعم الموت والبلى .. جلست أتفكر للحظات مرت كالسنين.. إيه أيتها القبور ..ما أشد صمتك ..
وما أشد ما تخفيه..ضحك ونعيم..وصراخ وعذاب أليم .. ماذا سيقول لي أهلك لو حدثهم ؟
لعلهم سيقولون لي مقولة الحبيب صلى الله عليه وسلم:( الصلاة وما ملكت أيمانكم )
قررت أن أهبط حتى لا يراني أحد في هذه الحالة .. فلو رآني أحد فسيقول إنني مجنون أو لدي مصيبة ..
وبالفعل لدي مصيبة كبيرة, وأي مصيبة أكبر من ضياع صلاة الفجر عدة مرات..
هبطت داخل المقبرة.. أحسست حينها برجفة في القلب .. التصقت بالجدار ولا أدري مما أحتمي ؟
عللت ذالك لنفسي بأنه خشية المرور فوق القبور وانتهاكها ..
أنا لست جباناً .. لكنني شعرت بالخوف حقاً !!
نظرت إلى الناحية الشرقية حيث القبور المفتوحة فارغة أفواهها تنتظر ساكنيها ..
إنها اشد بقع المقبرة سواداً.. كأنها تناديني .. مشتاقة إلى: متى ستكون في؟
أمشي محاذراً بين القبور .. وكلما تجاوزت قبراً تساءلت: أشقي أم سعيد ؟
شقي بسبب ماذا؟ أضيع صلاة مثلي ؟ أم كان من أهل الفواحش والربا ؟ ربما كان عاقاً لوالديه ..
أو كان من أهل العنا والطرب ؟
لعل من تجاوزت قبره الآن كان يضن أنه أشد أهل الأرض قوة.. وإن شبابه لن يفنى .. وإنه لن يموت
كمن مات قبله.. أو إنه كان يقول: مازال في العمر بقية.. ففاجأه هادم الذات ..
سبحان من قهر الخلق بالموت ..
أبصرت الممر .. حتى إذا وصلت إذا وصلت إليه ووضعت قدمي عليه أسرعت نبضات قلبي فالقبور عن يميني ويساري.. بدأت أول خطواتي ..بدأت وكأنها دهر ..أين سرعة قدمي وما أثقلها الآن..
رفعت بصري إلى الناحية الشرقية .. تمنيت أن تطول المسافة ولا تنتهي أبداً لأنني أعلم ما ينتظرني
هناك..أعلم ..فقد رأيت القبر كثيراً .. ولكن هذه المرة مختلفة تماماً ..
أفكار عجيبة.. أكاد أسمع همهمة خلف أذني .. نعم أسمع همهمة جليلة ..كأن شخص يتنفس خلف أذني
..خفت أن أنظر خلفي.. خفت أن أرى أشخاصاً يلوحون إلي من بعيد.. خيالات سوداء تعجب من القادم
في هذا الوقت ..
بالتأكيد إنها وسوسة من الشيطان.. لا يهمني شيء طالما أن قد صليت العشاء جماعة ..
كيف أتتني الجرأة! وكيف أوصلتني بخطواتي إلى حافة المقبرة ؟ بل كيف سأنزل في هذه الحفرة ألضيقه؟
وأي شيء ينتظرني داخلها ؟
فكرت بالاكتفاء بالوقوف وأن أكفر عن قسمي..
ولكن لا.. لن أصل إلى هنا ثم أقف.. يجب أن أكمل.. لن أنزل إلى القبر مباشرة.. بل سأجلس خارجاً
قليلاً حتى تأنس نفسي ..ما أشد ظلمته.. وما أشد ضيقه..
كيف لهذه الحفرة الصغيرة أن تكون حفرة من حفر النار أو روضة من رياض الجنة؟! سبحان الله..
يبدو أن الجو قد ازداد برودة.. أم هي قشعريرة في جسدي من هول هذا المنضر ؟
هل هذا هو صوت الريح ؟! ليس ريحاً.. لا أرى ذرة غبار في الهواء!! هل هي وسوسة أخرى ؟!
استعذت بالله من الشيطان الرجيم.. أنزلت شماغي ووضعته على الأرض ثم جلست وقد ضممت ركبتي
أمام صدري أتأمل المشهد العجيب ..
إنه المكان الذي لا مفر منه أبداً..
سبحان الله .. نسعى لكي نحصل على كل شيء ..وهذه النهاية لا شيء..
كم تنازعنا في الدنيا .. اغتبنا .. تركنا الصلاة .. آثرنا الغناء عن القران ..
والكارثة على أننا نعلم أن هذا مصيرنا.. وقد حذرنا الله منه ورغم ذلك نتجاهل...
أشحت بوجهي ناحية القبور و ناديت بصوت خافت _وكأني أخشى أن يرد احد علي _:
يا أهل القبور..مالكم أين أصواتكم ؟ أين أبناؤكم عنكم اليوم ؟ ..أين وأين ..
كيف هو الحساب؟.. أخبروني عن ضمة القبر..!
أخبرني عن منكر ونكير .. أخبروني عن حالكم مع الدود!
سبحان الله .. نستاء إذا قدم لنا أهلنا طعاماً بارداً أو لا يوافق شهتنا .. واليوم
..نحن الطعام..
*** *** ***
لابد من النزول إلى القبر ..قمت وتوكلت على الله, أنزلت رجلي اليمنى ثم الأخرى , افترشت شماغي
وانطرحت على ظهري ووضعت رأسي وأنا أفكر .. ماذا لو انهال علي التراب فجأة ؟!
ماذا لو ضم القبر علي مرة واحدة ؟!
أغلقت عيني حتى تهدأ ضربات قلبي ..حتى تخف هذه الرجفة في جسدي ..
ما أشده من موقف وأنا حي فكيف سيكون وأنا ميت ؟
فكرت أن انظر إلى اللحد.. هو بجانبي .. والله لا أعلم شيئاً أشد منه ظلمة..
يا للعجب !! رغم أني في حفرة مغلقة إلا أنني أشعر بتيار من الهواء البارد يتسلل إلي!!
كم هي قاسية برودة الخوف !
خفت أن أنظر إليه فأرى عينان تلمعان في الظلام وتنظران إلي بقسوة..
أو أن أرى وجها شاحباً ًلرجل تكسوه علامات الموت ناظراً إلى الأعلى متجاهلني تماماً
حينها قررت أن أنظر إلى اللحد .. ليس بي من الشجاعة أن أخاطر وأرى أياً من هذه المناظر رغم علمي أن اللحد خالٍ.. ولكن تكفي هذه المخاوف حتى أمتنع تماماً عن النظر إليه ..
*** *** ***
تذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحتضر:(لا الله إلا الله.. إن للموت لسكرات ) تخيلت جسدي عند نزول الموت يرتجف بقوة وأنا أرفع يدي محاولاً إرجاع روحي ..
تخيلت صراخ أهلي عالياً من حولي: أين الطبيب ؟! أين الطبيب ؟!
(فلولا إن كنتم غير مدينين ترجعونها إن كنتم صادقين )
تخيلت الأصحاب يحملونني ويقولون: لا الله إلا الله..تخيلتهم يمشون بي سريعاً إلى القبر ..
وتخيلت أحب أصدقائي إلي وهو يسارع لأن يكون أول من ينزل إلى القبر...
تخيلته يضع يديه تحت رأسي ويطالبهم بالرفق حتى لا أقع.. يصرخ فيهم جهزوا الطوب ..
وتخيلت أحمد..يجري ممسكاً إبريقاً من الماء يناولهم إياه بعدما حثوا علي التراب..
تخيلت الكل يرش الماء على قبري..
تخيلت شيحاً يصيح فيهم :ادعوا لأخيكم فإنه الآن يسأل .. إنه الآن يسأل ..
ثم رحلوا وتركوني فرداً وحيداً ..
تذمرت قول الله تعالى (ولقد جئتمونا فردى كما خلقناكم أول مرة , وتركتم ما خولناكم ورأى ظهوركم )
نعم صدق الله .. تركت زوجتي .. فارقت أبنائي ..تخليت عن مالي ..أو هو تخلى عني..
تخيلت ملائكة العذاب حين رأوا النعش قادماً..ظهروا بأصوات مفزعة..وأشكال مخيفة..
ينادي بعضهم بعضا: أهو العبد العاصي؟
فيقول الأخر :نعم
فقال : أمشيع متروك أم ليس له مفر؟
فيجيب الأخر: بل محمول إلينا ليس له مفر.
فينادى : هلموا إليه حتى يعلم أن الله عزيز ذو إنتقام.
رايتهم يمسكون بكتفي ويهزونني بعنف قائلين:ما غرك بربك الكريم؟
ما غرك بربك الكريم حتى تنام عن الفريضة
ما الذي خدعك حتى عصيت الواحد القهار؟
أهي الدنيا..أما كنت تعلم أنها دار فناء ؟وقد فنيت!
أهي الشهوات؟..أما تعلم أنها إلى زوال؟وقد زالت!
أم هو الشيطان ؟..أما علمت أنه لك عدو مبين؟
أمثلك يعصي الجبار..والرعد يسبح بحمده والملائكة من خيفته.
لا نجاة لك منا اليوم..أصرخ ليس لصراخك مجيب..
*** *** ***
جلست أصرخ :رب ارجعون..رب ارجعون..
وكأني بصوت يهز الفضاء ويزلزل المقبرة يملأني يأساً يقول(كلا إنها كلمت هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون )
بكيت ما شاء الله أن أبكي..
ثم قلت: الحمد لله رب العالمين..مازال هناك وقت للتوبة..
استغفر الله العظيم وأتوب إليه
قمت مكسوراً..وقد عرفت قدري..وبأن لي ضعفي..
أخذت شماغي وأزلت ما علق به من تراب القبر,وعدت وأنا أردد قول جبريل للحبيب صلى الله عليه وسلم
(عش ما شئت فإنك ميت ,وأحبب من شئت فإنك مفارقه ,واعمل ما شئت فأنك مجزي به)
النـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــها يه
أتمنى أن تنال إعجابكم